محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
55
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عزّ وجلّ فلم يملكه غيره ، ولم يسترقّه سواه ، وارتقى في القرب من ربه إلى أشرف محل فيكون هناك منزله ومثواه ، فيكون حينئذ كما قال المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، لنداء الحق مجيبا ، لأنه إذا ذاك يناديه باسم العبد ، فيقول له : يا عبدي ، فيجيب حينئذ مولاه باسم الربّ ، فيقول له : لبيك يا ربّ فيكون صادقا في إجابته متحققا في نسبته ، ويكون أيضا من حضرته قريبا لوجود بعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها ، فإذا أقامه الحق تعالى مقام العبودية وحاز مرتبة القرب من حضرة الربوبية كان محفوظا من اقتحام الأوزار ، ميسرا عليه أعمال الأخيار ، متحليا في الظاهر والباطن بأشرف الحلى محتظيا بفضيلة التشبه بالملأ الأعلى ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [ الأعراف : 206 ] ، وقال عزّ من قائل : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 9 ] . فمرتبة العبودية أنالتهم هذه الخصوصية ، وكذلك من تشبّه بهم في محاسن صفاتهم من الصفوة الصوفية ، إلّا أنّ هؤلاء محفوظون ، لا معصومون ، على ما اصطلحوا عليه من الفرق بين الحفظ والعصمة ، والفرق بينهما هو ما قاله الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : أن المعصوم لا يلمّ بذنب البتة ، والمحفوظ قد تحصل منه همّات ، وقد يكون له في الندرة زلّات ، ولكن لا يكون له إصرار ، أولئك الذين يتوبون إلى اللّه من قريب . وقد وصف اللّه تعالى عباده ذوي التخصيص أولي التطهير والتمحيص في آيات كريمة بصفات جليلة عظيمة ، وأعدّ لهم على ذلك خيرات جسيمة ، فقال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً . . . إلى قوله : خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً [ الفرقان : 76 ] . وعليك النظر فيما قاله فيها أهل التفسير ، وما استنبطه منها أرباب الإشارات والتذكير ، وأمّا من عدا هؤلاء فهم عبيد نفوسهم الشهوانية ، ومسترقو حظوظهم الدنيوية ، قال اللّه تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما روى عنه : « تعس عبد الدينار . . . تعس عبد الدرهم . . الحديث » « 1 » وهؤلاء هم من عبيد العدد المعنيين بقوله عزّ وجلّ : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 94 ] .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ، 70 ) ، ( رقاق ، 10 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 8 ) .